جلال الدين السيوطي
222
الإتقان في علوم القرآن
الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) [ القيامة : 13 ] قال : يعرض عليه كتابه ، فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفا ، فأسرع في القراءة ، فيقال له : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إنّ علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك : فَإِذا قَرَأْناهُ عليك فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بالإقرار بأنك فعلت ، ثم إنّ علينا بيان أمر الإنسان وما يتعلّق بعقوبته . انتهى . وهذا يخالف ما ثبت في الصحيح أنها نزلت في تحريك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لسانه حالة نزول الوحي عليه « 1 » . منها : أنه تعالى لمّا ذكر القيامة ، وكان من شأن من يقصّر عن العمل لها حبّ العاجلة ، وكان من أصل الدين أنّ المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة ، فنبّه على أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجلّ منه ؛ وهو الإصغاء إلى الوحي ، وتفهّم ما يرد منه ، والتشاغل بالحفظ قد يصدّ عن ذلك ، فأمر بألا يبادر إلى التحفّظ ؛ لأنّ تحفيظه مضمون على ربّه ، وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي ، فيتبع ما اشتمل عليه . ثم لما انقضت الجملة المعترضة رجع الكلام إلى ما يتعلّق بالإنسان المبتدأ بذكره ومن هو من جنسه ، فقال : كَلَّا وهي كلمة ردع ، كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم ، لكونكم خلقتم من عجل ، تعجلون في كلّ شيء ، ومن ثمّ تحبّون العاجلة . ومنها : أنّ عادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد - حيث يعرض يوم القيامة - أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينيّة في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملا وتركا . كما قال في الكهف : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ إلى أن قال : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الكهف : 49 - 54 ] الآية . وقال في سبحان : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ . إلى أن قال : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ [ الإسراء : 71 - 89 ] الآية . وقال في طه : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ( 102 ) إلى أن قال : فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 102 - 114 ] .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 - 4927 - 4928 - 4929 - 5044 - 7524 ) ، ومسلم ( 448 ) ، والنسائي 2 / 149 ، والترمذي ( 3329 ) ، وأحمد 1 / 343 ، والحميدي ( 527 ) ، وابن حبان ( 39 ) ، والطيالسي ( 2628 ) ، والطبراني ( 12297 ) ، وابن سعد 1 / 198 ، والبيهقي في الأسماء ص 198 .